براهين صدق محمد وأنه رسول من عند الله
سنتناول أدلة وبراهين صدق محمد وأنه رسول من عند الله من خلال النظر في أربعة أمور: الكمال الشخصي والأخلاقي، الكمال التشريعي، وأخبار النبوءات السابقة ودلالة القرآن على صدق نبوة محمد
براهين صدق النبوة
سنقسم البراهين إلى أربعة محاور:
أولاً: الكمال الشخصي والأخلاقي
ثانياً: الكمال التشريعي
ثالثاً: أخبار النبوات السابقة المبشرة بالنبي محمد
رابعاً: دلالة القران على صدق نبوة محمد
أولاً: الكمال الشخصي والأخلاقي
والمراد بهذا النوع هو أن محمد بلغ غاية ما يمكن أن يصل إليه النوع الإنساني من الكمال في جميع الأوصاف المتعلقة بالأشخاص من جهة أنسابهم، وأخلاقهم، وسلوكهم، وحياتهم. وهذه المعاني عليها شواهد كثيرة مرصودة في كتب التاريخ الإسلامية وغير الإسلامية. ولكننا سنقتصر هنا عن الحديث عن صفتي الصدق والأمانة؛ لكونهما ألصق بموضوعنا، فإن النبوة قائمة عن الإخبار عن الله، ومحمد بلغ في هاتين الصفتين مبلغاً عظيماً من الكمال.
من المعلوم أن محمد مكث في مكة أربعين سنة من عمره قبل النبوة وكان قومه يلقبونه بالصادق الأمين، وكان يتصف بأعلى درجات الكمال الإنساني في الأخلاق والسلوك والصدق والأمانة، وعندما بلغ سن الأربعين اختاره الله ليكون رسولاً للبشر يحمل لهم آخر رسالة من ربهم وهي رسالة الإسلام، فأخبر محمد قومه أنه رسول من عند الله، وبدأ في تبليغهم الدعوة ونشر الإسلام بينهم، فمنهم من استجاب ومنهم من كفر، وبقي على هذه الحال ثلاثة عشر عام في مكة وهو يدعو قومه للإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكان يتحدى قومه بالقرآن والمعجزات، وهم يكابرون ويضطهدون أتباعه ويعذبونهم، ومع ذلك لم يتقدم أحد ويتهمه بالكذب ولو بحادثة واحدة، ولو وجد قومه عليه كذبة واحدة لتمسكوا بها واتهموه بالكذب وجعلوا ذلك سبباً على تكذيبهم له، فإن من عادة الشعوب والمجتمعات أن المعارضين إذا وجدوا على من يعارضهم شيئاً فإنهم يقومون بتضخيمه ونشره في الآفاق ويسلطون الأنظار عليه. ولكن ذلك لم يحصل رغم أن قومه هم أعلم بحاله وحياته، وقد كان لهم علاقات واسعة في بلاد الغرب آنذاك، فلو كان لديهم أمثلة على كذب محمد لنشروها في تلك البلاد ولعجز المسلمون عن إخفائها.
وقد شهد علماء الغرب أنفسهم على كمال أخلاق محمد رغم أنهم غير مسلمين، من ذلك ما قاله:
هنري دي كاستري: إن أشد ما تتطلع إليه بالنظر في الديانة الإسلامية ما اختص منها بشخص النبي محمد ولذلك قصدت أن يكون بحثي أولاً في تحقيق شخصيته، وتقرير حقيقته الأدبية علّني أجد في هذا البحث دليلاً جديداً على صدقه وأمانته المتفق عليها بين جميع مؤرخي الديانات وأكبر المتشيعين للدين المسيحي
وتوماس كارليل: لوحظ على محمد منذ صباه أنه كان شاباً مفطراً وقد سماه رفقائه الأمين رجل الصدق والأمانة، والصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره
ثانياً: الكمال التشريعي
فقد أتى محمد بدين تشريعي يعد من أضخم الأديان في التشريعات، وقد بلغت هذه التشريعات الغاية في الإتقان والرحمة والعدل والصلاح والانضباط، مما يدل على أن هذه التشريعات ليست من وضع إنسان واحد، أو عدد من الناس، وإنما هو من عند الله تعالى المتصف بالعلم الشامل، والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة، والعدل التام
وكمال دين الإسلام ومحاسنه الشاملة عامة في جميع مسائله ودلائله، وفي أصوله وفروعه، وفيما دل عليه الإسلام من العلوم والأحكام، وفيما اشتمل عليه من جميع المجالات، كالتصور عن الله والعلاقة بينه وبين الخلق، والعلاقة بين الإنسان والكون، والعلاقة بين الإنسان وبني جنسه، ومجال العبادات، ومجال البيع والشراء، والأنكحة وتوابعها، والجنايات والعقوبات والديات، والأخلاق والقيم، وغيرها من المجالات الحياتية المختلفة
وقد أقر بالكمال التشريعي لدين الإسلام علماء غير مسلمين، علماء النصارى وغيرهم
ومن ذلك ما قاله إدوار بروي: جاء محمد بن عبدالله النبي العربي، وخاتم النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة في دعوته لا تختلف عن العقيدة والإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب بل أيضاً الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد، ونشر الدين الحنيف، وعندما قبض النبي العربي عام 632 ميلادي، كان قد انتهى من دعوته، كما انتهى من وضع نظام اجتماعي يسمو كثيراً فوق النظام القبلي الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، وصهرهم في وحدة قوية، وهكذا تم للجزيرة العربية وحدة دينية متماسكة، لم تعرف مثلها من قبل.
ويؤكد الباحث الأمريكي مايكل هارت هذا المعنى قائلاً: لقد أسس محمد ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام، ففي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً تقريباً على وفاته، فإن تأثيره لا يزال قوياً عارماً.
وأما المؤرخ ول ديورانت: فيقول في موسوعته قصة الحضارة: إذا حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا: إن محمداً رسول المسلمين أعظم عظماء التاريخ، فقد كبح جماع التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم ديناً واضحاً قوياً، استطاع أن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم.
ودلالة هذا النوع من الأدلة ليست مبنية على مجرد ثبوت الكمال والصلاح والإحسان في دين الإسلام، وإنما هي دلالة مركبة من عدة معانٍ تشترك جميعها في تأسيس الدلالة اليقينية لهذا النوع، فهي مركبة من كون الإسلام نظاماً تشريعياً شمولياً مستوعباً لجميع مجالات الحياة، وبلغ مع ذلك الغاية في الكمال والذي أتى به رجل واحد فقط، لم يعرف عنه أنه تعلم أو درس، أو قرأ قبل مجيئه بما جاء به.
ويزيد من قوة هذه المعاني المشتركة أن الرجل الذي ادعى أنه جاء بدين الإسلام من عند الله لم يكن معروفاً إلا بأكمل الأوصاف وأعلى الأخلاق في الصدق والأمانة والنزاهة
ثالثاً: أخبار النبوات السابقة المبشرة بالنبي محمد
أخبرنا الله تعالى بأن عيسى وموسى عليهما السلام قد بشرا برسول الله محمد عليه الصلاة والسلام
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} سورة الصف: 6
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} سورة الأعراف: 157
فهاتان الآيتان تدلان على أن النبي صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة والإنجيل، وقد أخبرنا الله كذلك بأن اليهود والنصارى قد حرفوا كتبهم، ولكن مع ذلك بقي لديهم بعض الحق لم يتم تحريفه، وقد اجتهد العلماء في البحث في الكتب المقدسة عن البشارات بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ومن تلك البشارات:
جاء في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرات 18و19: “يا موسى أني سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك أجعل كلامي فيه ويقول لهم ما أمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه.”
وهذا النص موجود عندهم الآن، فقوله: “من إخوانهم”، لو كان منهم من بني إسرائيل لقال سأقيم لهم نبياً منهم، لكنه قال من إخوتهم أي أبناء إسماعيل
جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات 16-17: “إن خيراً لكم أن أنطلق لأني إن لم أذهب لم يأتكم الفارقليط فإذا انطلقت أرسلته إليكم فإذا جاء فهو يوبخ العالم على الخطيئة، وإن لي كلاماً كثيراً أريد قوله ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي”، وهذا لا ينطبق إلا على النبي صلى الله عليه وسلم
في التوراة في السفر الخامس: “أقبل الله من سيناء، وتجلى من ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه”، وهذه متضمنة للنبوات الثلاثة: نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمجيئه من “سينا”: وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته، وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و”ساعير”: قرية معروفة هناك إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح.
“وفاران”: هي مكة، وشبّه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلاء الشمس، وظهور ضوءها في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء. فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته، وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه البشارة نظير ذكرها في أول سورة (والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين)” أ.هـ [انظر: “هداية الحيارى” (ص 110)، وما ذكره ابن القيم هو في العهد القديم سفر التثنية الإصحاح 33 فقرة 1].
في إنجيل برنابا في الباب 22 جاء فيه: “وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله”
في سفر أشعيا: “إني جعلت اسمك محمدا يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد”
وجاء في سفر أشعيا: “وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا يأتي من أفضل الأرض، فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية” انتهى
رابعاً: دلالة القران على صدق نبوة محمد
الدلالة الأولى: أن القرآن تضمن أموراً لا يمكن لمحمد أن يأتي بها من عند نفسه، ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال فيها للذكاء، ولا للاستنباط، ولا سبيل إلى العلم بها لمن غاب عنها بالتعلم، فقد جاء في القرآن عن الأمم السابقة بتفاصيل متعددة، وكذلك جاء فيه أخبار عن الوقائع التي وقعت في زمانه بما لم يشهدها، ولم يخبره بها أحد، كذلك الأخبار عن الأمور المستقبلية، وكل ذلك يخبر به محمد بلغة جازمة ولفظ صريح.
الدلالة الثانية: أن محمد كان أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكن معروفاً بكثرة الأسفار والترحال والعلاقات مع الثقافات المختلفة، ومع ذلك فقد أتى في القرآن بعلوم ومعارف لا يمكن أن تكون متناسبة مع حاله المعرفي
ولو أراد محمد أن يأتي بأخبار الأمم السابقة التي وردت في القرآن فهو أمام ثلاث احتمالات:
الاحتمال الأول: أن محمد اطلع بنفسه على تراث تلك الأمم ونقل عنها مباشرة:
وهذا قول غير صحيح البتة، فإن الثقافات التي يدعون أن محمد نقل عنها كتبت بلغات مختلفة، وهي متناثرة في بلدان متباعدة، فلو كانت دعواهم صحيحة لكان يجب أن يكون محمد يعرف القراءة والكتابة، وكان يجب أن يكون عارفاً بلغات متعددة، ويعرف القراءة في آثار الأمم وبقاياها وكتاباتهم على الألواح والأحجار، وكان يجب أن يكون لديه مخزن كبير يحوي كتباً وآثاراً وبقايا، وكان يجب أن يكون صاحب أسفار طويلة، وكان يجب أن يكون ذلك كله خافياً على قومه لكيلا يتعرفوا على مصادره التي يأخذ منها.
ولكن كل ذلك يتناقض مع ما هو ثابت بالقطع من حال محمد من أنه لم يكن يعرف الكتابة والقراءة، ولم يمارس التعلم في صغره، ثم إنه لو كان يعرف الكتابة والقراءة، فإن معرفة اللغة العربية لا تكفي للاطلاع على تراث الأمم السابقة، وإنما لا بد من معرفة عدد من اللغات وهذا الأمر أشد مناقضة لحقيقة ما كان عليه.
ثم إن محمد لم يعرف بكثرة الأسفار ولم يخرج من بلده مكة إلا مرتين، إحداهما وهو صغير، والثانية كانت قصيرة جداً، ولا يمكن فيهما تحصيل العلوم التي حواها القرآن مع وجود حاجز اللغة.
ويستحيل أن يكون محمد اطلع على الكتاب المقدس، فإن أول ترجمة عربية للكتاب المقدس ظهرت بعد موت محمد بقرن من الزمان تقريباً، ومن المعلوم أن الكتاب المقدس لم يكن متداولاً بين الناس، ولم يكن يطلع عليه إلا أفراد من القسس، ولم يتح لعوام النصارى إلا بعد عصر الطباعة في القرن السادس عشر الميلادي.
الاحتمال الثاني: أن النبي لم يطلع على تلك الحضارات بنفسه، وإنما كان هناك من يعلمه وينقل له أخبارها:
ولكن هذا القول غير صحيح أيضاً، وكل من ادعاه لم يستطع أن يقيم عليه برهاناً صادقاً، والتاريخ مفتوح أمام الناقدين، فليقدموا لنا دليلهم الصادق إن كانوا صادقين.
محمد لم يُعرف عنه أنه جالس العلماء في الأديان، وفي التاريخ الإنساني في حياته، ولم يعرف أنه جالس أهل المعرفة في هذا الشأن وتعلم منهم.
وأكثر الأمثلة التي يعتمدون عليها في إثبات هذه الدعوى: ما نقل عن محمد من أنه رأى بحيرا الراهب في الشام، ولكن الاعتماد على هذه الحادثة في غاية التهافت، فهي أولاً حادثة مشكوك في صحتها، وقد ذهب عدد من العلماء إلى تضعيف إسنادها، وعلى القول بصحتها، فإن ذلك لا يدل على صحة دعواهم؛ لأن القصة ليس فيها أن بحيرا علّم محمد شيئاً، وإنما غاية ما فيها أنه أعلن عن نبوته، ثم إن اللقاء كان قصيراً جداً، فكيف يمكن أن يتعلم فيه محمد كل تلك الأخبار والعقائد؟!
الاحتمال الثالث: أن الأخبار التي تضمنها القرآن كانت منتشرة في زمن محمد وأنه نقلها من محيطه
ولكن هذا الادعاء غير صحيح؛ لأن المعروف من حال العرب أنهم ليسوا أصحاب علوم، وليس لديهم اهتمام بالتعليم والبحث والتنقيب، وخاصة العلوم الدقيقة المتعلقة بتاريخ الأمم وتراثهم وآثارهم.
ثم إنها لو كانت منتشرة عندهم، فلماذا لم يقدموا الدليل الذي يثبت ذلك؟ سواء كان من الكتب والصحف، أو من الرجال والنَقلة، فإنهم في معارضتهم لدعوى محمد اقتصروا على مجرد الادعاء بأن ما جاء به من أساطير الأولين، ولكنهم لم يقدوا دليلاً على ذلك، ولو كان لديهم ما يمكن به إثبات صحة هذه الدعوى لبادروا إلى إظهاره وإبرازه.
مما يدل على أنهم لم يكونوا يملكون دليلاً على قولهم، وإنما هي دعوى مجردة: أنهم اضطربوا في وصف حال محمد فتارة يقولون: كذاب، وتارة يقولون مجنون، وتارة يقولون ساحر، وتارة يقولون شاعر، وتارة يقولون كاهن، وهذا الاضطراب دليل على أنهم لا يملكون حجة بينة واضحة، وإنما هي ادعاءات مجردة.
وقد أقر عدد من غير المسلمين بأن محمد لم يطلع على شيء من التراث السابق ولم يتلق ما جاء به عن غيره من البشر
يقول هنري دي كاستري: ثبت أن محمداً لم يقرأ كتاباً مقدساً، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه.
ويقول وليام لاينتر: بقدر ما أعرف من ديني اليهود والنصارى أقول: إن ما علمه محمد ليس اقتباساً؛ بل قد أوحي إليه من ربه، ولا شك في ذلك.
فإذا بطلت هذه الاحتمالات لم يبق إلا أن هناك من علم النبي من غير المخلوقين، وأطلعه على قصة الخلق، وقصص الأمم السابقة، وأوحى إليه تلك العقائد والتشريعات، وهو الله العليم الخبير.
الدلالة الثالثة على الأصل الأول وهو استحالة أن يكون النبي مصدر القرآن:
أن القرآن تظهر فيه مشاهد كثيرة تدل على أن النبي كان مجرد متلقي للقرآن، ومبلغ له عن غيره، وأنه ليس له فيه إلا الفهم والحفظ، ثم النقل والتبليغ، ثم البيان والتفسير، ثم التطبيق والتنفيذ.
فالقرآن يصفه بأنه مجرد مبلغ، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. يونس
فلو كان النبي كاذباً في دعواه، لنسب القرآن إلى نفسه، فهو ذلك الكلام الفصيح البليغ المبهر، والذي نعرفه من عادة الناس أنه يحرصون على الفخر ونسبة الأمور النبيلة العالية إليهم، أما أن أحداً ينسب إلى غيره أنفس آثار عقله، وأغلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يلده الدهر.
والقرآن يبين للناس بأن الوحي ينزل إلى النبي بواسطة جبريل عليه السلام، فجبريل هو الواسطة بين الرسول وبين الله في الوحي، فلو كان النبي مخادعاً كاذباً فلماذا يجعل بينه وبين الله واسطة؟!! ولماذا لم يدعي بأنه يتلقى القرآن مباشرة من عند الله؟! ولماذا لم يدعي بأنه يخاطب الله من غير وساطة أحد؟! أليست هذه الأحوال أعلى في المنزلة والمكانة؟!
ومن يتأمل آيات القرآن يجد بأنه يصور النبي عبداً لله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يستطيع أن يغير من الأمر شيئاً، وأنه يستغفر الله ويستهديه في كل أحواله، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. يونس15
فالقرآن الكريم يتكرر فيه التصريح بأنه بشر مثل سائر البشر، ليس عليه إلا البلاغ، ولا يملك شيئاً من الخزائن. كما في قوله تعالى:{قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. الأعراف 188 وكذلك في قوله تعالى: {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ}. الأنعام 50
والابتداء في الآيات السابقة بعبارة (قل) متضمن لمغزى لطيف، وهو توجيه الخطاب للرسول وتعليمه ما ينبغي أن يقول، فهو مجرد مبلغ لما يوحى إليه، ولذلك تكررت عبارة (قل) في القرآن أكثر من ثلاثمائة مرة؛ ليتذكر القارئ باستمرار أن محمداً لا دخل له في الوحي، فلا يصوغه بلفظه ولا يلقيه بكلامه، وإنما يلقي إليه الخطاب، فهو مخاطب لا متكلم، وناقلاً لما سمعه، لا معبر عن شيء يجول في نفسه.
قد ابتلي النبي صلى الله عليه وسلم بموت زوجته وعمه الذي كان يحميه من أعدائه في عام واحد وكذلك مات كثير من أبنائه وأقاربه وأصحابه بين يديه، وحزن عليهم حزنا شديداً، ولا نجد في القرآن أي صدى لهذه الأحداث. فهذه الدلالات وغيرها تدل دلالة قاطعة على أن القرآن لا يمكن أن يكون مصدره من عند النبي صلى الله عليه وسلم.
والقرآن يصور النبي بأنه لا يعلم الغيب ولا يدري عن المستقبل، ويظهر فيه عدم علم النبي بما سيأتي في المستقبل، وبما سيحصل له في ذاته، كما في قوله تعالى: {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. الأعراف 188
وهذه شواهد ظاهرة على أن القرآن ليس من عند النبي، فلو كان من عنده لماذا يُظهر خلوه من العلم؟!!
لم يكتف القرآن بذلك؛ بل إنه يوجه العتاب الصريح للنبي كما في قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ}. التوبة 43؛ وحين انشغل النبي بكبراء قومه عن بعض ضعفاء المسلمين جاء إليه العتاب في القرآن، كما في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ}. سورة عبس.
وأشد من هذا أن القرآن يوجه إلى النبي الإنذار والتهديد كما في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}. سورة الإسراء
ومن خلال هذه الشواهد المتعددة يظهر بجلاء أن رسول الله ليس له من القرآن شيء، وأنه مجرد مخلوق ضعيف بين يدي ربه ومولاه يبلغ عنه ما يوحيه إليه إلى الناس.
