مكانة المرأة في الإسلام

قبل أن نتكلم عن مكانة المرأة في الإسلام، دعونا نأخذ لمحة سريعة عن وضع المرأة قبل الإسلام.
من يقرأ التاريخ الأوربي أو العربي يعلم علم اليقين بأن المرأة كانت مظلومة، وليس لها حقوق، وكان ينظر لها على أنها خلقت للخدمة ولإمتاع الرجل، وفي بعض الأحيان كانت عبارة سلعة تباع وتشترى، وقد وصل الحال ببعض الأمم من التردي أنه انتشر بينهم زواج المحارم، كأن يتزوج الرجل أمه أو أخته أو ابنته، وقبل مئة عام من الآن كان الرجل الأوربي يضع قفص حديد برأس زوجته لعدة ساعات كعقاب لها إذا كانت “ثرثارة” (أي تتكلم كثيراً)، وكذلك كان يقوم ببيعها في السوق إذا لم يعد بحاجتها أو إذا احتاج للمال. بل إنه وحتى يومنا هذا يوجد سوق يقام عدة مرات في العام في بلغاريا يباع فيه النساء العذارى (سنذكر الشواهد أثناء الحديث المفصل عن هذه الأمور)!

أما العرب فلم يكونوا أفضل حالاً من غيرهم من الأمم، فقد كانوا يظلمون المرأة ويحرمونها من الميراث، وكذلك كانوا يدفنون بناتهم أحياءً خوفاً من العار.

بعد هذه المقدمة دعونا ننظر كيف كرّم الإسلام المرأة ورفعها إلى مكانتها التي تستحقها
سنبحث الأمر من عدة جوانب:
– فضل الإحسان إلى المرأة في الإسلام
– الله عز وجل يضرب مثلاً للمؤمنين بامرأتين يقتدي بهما الرجال والنساء
– رعاية المرأة في ظل الإسلام
– الإسلام حفظ للمرأة حق التعلم والعمل واختيار الزوج المناسب
– حق المرأة في الميراث
– هل يساوي الإسلام بين المرأة والرجل
– ظلم المرأة خارج المنظومة الإسلامية

أولاً: فضل الإحسان إلى المرأة في الإسلام
جعل الإسلام المرأة إن كانت أماً فطاعتها واجبة وضاعف الأجور على برّها حتى فاق ذلك أجر البر بالأب، وذلك عندما سأل أحد الصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: (يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من: قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك).
وإن كانت فتاةً فهي سبباً لدخول والدها الجنّة إن هو أحسن تربيتها وتعليمها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عالَ جاريتينِ دخلتُ أنا وَهوَ الجنَّةَ كَهاتين وأشارَ بأصبُعَيْهِ) صحيح الترمذي
وقد كان هذا في زمن كان الوالد يدفن ابنته وهي حيّة خوفا من الفقر والعار.
وإن كانت زوجة فهي مكرّمة مصانة عند زوجها، بل إن الإحسان إليها نوع من أنواع العبادات والتقرب إلى الله حيث قال الرسول صل الله عليه وسلم: (خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي) صحيح الترمذي.

ثانياً: الله عز وجل يضرب مثلاً للمؤمنين بامرأتين
في الوقت الذي كان العربي يصيبه العار إذا ولدت له فتاة، وكانت المرأة ليست ذات شأن، بهذا الوقت يضرب الله تعالى في صورة التحريم مثلاً بامرأتين لكي يقتدي بهما الرجال والنساء، يقول تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)
فهل الدين الذي يجعل المرأة قدوة لرجاله يكون ديناً يحتقر المرأة؟

ثالثاً: رعاية المرأة في ظل الإسلام:
الفتاة منذ ولادتها تكون في كنف والديها اللذان يرعانها وينشئانها نشأة صالحة، فإذا أصبحت زوجة انتقلت من كنف والدها إلى كنف زوجها، حيث ألزم الإسلام الرجل بأن يكون هو من ينفق على أهل بيته، فحتى إذا كانت المرأة غنيّة فهي غير ملزمة بالنفقة لا في بيت أبيها ولا في بيت زوجها، وإذا أنفقت فيكون هذا محض فضلٍ وكرم منها وتؤجر عليه عند الله. وفي حال كانت غير متزوجة مثلاً وقد مات والدها فأخوها ملزم بالنفقة عليها، فإذا لم يكن لها أخ، فعمها أو خالها، فإذا لم يكن لها أقارب، فالحاكم ملزم بالنفقة عليها. لكي لا تضطر للعمل بما يخالف فطرتها أو تكون عرضة لاستغلال الرجال.
فلنقارن هذا بما كان يحصل مثلاً في القرن التاسع عشر الميلادي حيث كان الرجل الأوربي يعاقب زوجته الثرثارة بلجام من حديد تلبسه لساعات لكي يمنعها من الكلام، وكذلك كان يبيع زوجته أو ابنته إذا تحمل ديناً لا يستطيع قضائه، بل وحتى الآن يوجد سوق في بلغاريا يقام عدة مرات في العام يباع فيه النساء العذارى للرجال مقابل المال.

رابعاً: الإسلام حفظ للمرأة حق التعلم والعمل واختيار الزوج المناسب:
الإسلام كفل للمرأة حق التعلم، بل وحث عليه ورغب به، حيث أخبرنا أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: (من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء…) أخرجه مسلم. وهذا الحديث ليس مختصاً بالرجال، بل هو موجه للرجال والنساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصص مجالس للنساء لكي يعلمهن ما يحتجنه في دنياهم وآخرتهم.
ربما الكثيرون لا يعلمون أن أول جامعة في العالم تم تأسيسها هي جامعة القرويين في فاس، المغرب، وقد تأسست عام 856م على يد فاطمة الفهرية، وهي تُعتبر أقدم جامعة تعمل باستمرار في العالم حسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية واليونسكو.
وكذلك تستطيع المرأة أن تعمل في المجالات التي تناسبها وخاصةً ما كان متعلق بالنساء، كالمعلمات والطبيبات والممرضات الخ. بشرط أن تراعي في عملها الشروط الشرعية وأن لا يكون عملها على حساب عنايتها بأبنائها وأداء حق زوجها عليها.
وقد كلف الله عز وجل المرأة بأعظم مهمة عرفتها البشرية على مر العصور، وهي العناية بالأجيال وتنشئتهم نشأة صالحة تعين المجتمع على النهوض والتطور، فقد حمّلها الإسلام أمانة عظيمة عندما قال رسول الله: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها).
كذلك كفل الإسلام للمرأة حق اختيار الزوج المناسب الذي ترتضيه لنفسها، وحرّم على وليّها أن يُجبرها على زوج هي غير راغبة به، وكذلك أوجب على الزوج أن يعطيها المهر ويهيئ لها المسكن المناسب وأمَرهُ بالإحسان إليها، عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً) صحيح البخاري

خامساً: حق المرأة في الميراث

كثيرًا ما نسمع أن الإسلام ظلم المرأة بالميراث والرد على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: أن الميراث له حالات متعددة، منها ما تُعطى فيه المرأة أكثر من نصيب الرجل، ومنها ما تعطى فيه مساوية للرجل، ومنها ما ترث فيه الأنثى ولا يرث الرجل، ومنها ما يكون نصيبها فيه أقل من نصيب الرجل.
فلو ماتت امرأة وتركت زوجاً وبنتاً فإن البنت هنا ترث أكثر من الزوج، ولو مات ابن وخلف أبوين وأولاداً فإن نصيب الأب والأم يكون متساويا لقول الله سبحانه وتعالى: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ) النساء 11
مع العلم أن قول الله تعالى: (لِلذَكرِ مِثْلُ حَظِّ الأنُثَيَيْنِ) في نفس الآية السابقة، لكن من يردد هذه الشبهة ينتقي من القرآن ما يناسب هواه.
كما أن من الحالات التي يتساوى فيها الذكر بالأنثى ما جاء في قول الله تعالى: (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فلكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ من ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) النساء: 12
الوجه الثاني: أن الذكر وإن أعطي في بعض الحالات مثل حظ الأنثيين إلا أنه مأمورٌ شرعا بأن يبذل للأنثى مهراً عند زواجه بها، ومأمورٌ كذلك أن ينفق عليها طول حياته حين تكون زوجة له ولو كانت غنيِّة، أفيُستكثَر عليه بعد ذلك أن يكون له نصيبٌ من الميراث على الضِّعف من نصيبها؟

سادساً: هل يساوي الإسلام بين المرأة والرجل؟

المساواة بين الرجل والمرأة فيه ظلم كبير للمرأة، وتحميلها ما لا تطيق، فكيف نُلزم المرأة مثلاً بالعمل كالرجل، وطبيعتها وفطرتها مختلفة عن طبيعة الرجل وقدرته، فالرجل خَلقه الله بطبيعة مناسبة لمهمته التي هي السعي في الأرض طلباً للرزق، وهذا الأمر يتطلب قوة جسدية، ونفس صلبة، وقوة تحمل لكي يصبر على مشقة العمل وطباع الناس المختلفة الذين يتعامل معهم كل يوم. ونحن نعلم أن المرأة بطبيعتها رقيقة والسعي للرزق ليس هو مهمتها الأساسية، فطبيعتها العاطفية وأنوثتها التي تضفي الحياء عليها وكذلك طبيعة جسدها الذي يمر بتقلبات هرمونية بشكل شهري، كل هذا يجعل الصعوبات التي تمر بها أثناء السعي للرزق أكبر بكثير من الصعوبات التي يواجهها الرجل، وكذلك تكون عرضة لكثير من الرجال الذين سيحاولون استغلال حاجتها للعمل لتحقيق مآربهم الخاصة.
فالمساوات في الإسلام ظلم، ولكن الإسلام عدل بين الرجل والمرأة وكلف كل منهما بما يناسب طبيعته وفطرته، فقد كلف الإسلام الرجل بحضور الصلوات بالمسجد وحضور الجمع، وعفى المرأة من ذلك، كما ألزم الرجل بالنفقة ولم يلزم المرأة بذلك، وكذلك أمر الرجل بحماية المرأة، بل والقتال دفاعاً عنها ولم يكلف المرأة بذلك، وأحل الإسلام للمرأة أن تتزين بالذهب وأن تلبس الحرير لأن طبيعة المرأة تحب الزينة، وحرم ذلك على الرجل
وأمر الإسلام المرأة بأن تَستر جسدها وشعرها أمام الرجال الأجانب لكي يحفظها ويصونها، وأباح لها أن تتزين أمام زوجها، ولم يلزمها بالحجاب أمام محارمها. ونحن نرى بأعيننا ما هي نتيجة زوال الحدود بين الرجال والنساء في المجتمعات، فها هي التقارير تخبرنا بعدد النساء المغتصبات يومياً، وفي كثير من الأحيان يكون المغتصب من محارمها، كل ذلك لأن العلاقة بين الرجال والنساء أصبحت مفتوحة بدون ضوابط.  

سابعاً: ظلم المرأة خارج المنظومة الإسلامية

كثيراً ما نسمع أن الإسلام ظلم المرأة وسلبها حقوقها، وهذه الدعوة تكون في الغالب من المنظومة العلمانية؛ دعونا نلقي نظرى على هذه المنظومة هل أنصفت المرأة وردت لها حقوقها المسلوبة، وهل استطاعت أن تحمي المرأة من الاستغلال والاستعباد الحديث؟

فلنبدأ بمسيرة الفتاة منذ صغرها، فهاهي الفتاة وهي في كنف أبويها ستذهب منذ نعومة أظافرها إلى روضة الأطفال لأن أمها يجب عليها أن تعمل، لأنها إن لم تعمل فقد لا تجد من يصرف عليها، وحتى لو كانت متزوجة فهي مطالبة بالمشاركة بالمصروف لأنها متساوية مع الرجل بالمسؤوليات، وبالتالي فإن الأبناء لا يجدون من يعتني بهم بشكل جيد، والتقارير تخبرنا بأن نِسَبُ الأَبناء المُشَرَّدِينَ فِي أَمرِيكَا مثلاً وَصلَتْ إلى أَرقامًا تَارِيخيَّةً، وصلت إلى 2.5 مليون طفل كما في تقرير نشرته صحيفة نيوزويك؛ بعض هؤلاء الأطفال هاربون من بيوتهم المفككة، فالأب مشغول والأم كذلك مشغولة والابن أو البنت لا أحد يهتم بهما، أو تساء معاملتهما، فيهرب أو تهرب من المنزل، وهناك قسم مخصص من وزارة العدل الأمريكية لظاهرة الأبناء والبنات الهاربين، وهؤلاء الأبناء والبنات يصبحون بلا مأوى وبالتالي يتفشى فيهم بشكل كبير المخدرات والأمراض النفسية والتعرض للإهانة والاستغلال الجنسي، حيث يبيع بعضهم نفسه للممارسات الجنسية مقابل المأوى، والأرقام في تصاعد مستمر.

فإذا نشئت الفتاة مع والديها ولم تتعرض لخطر التشرد فهناك تحديات أخرى كثيرة بانتظارها. فها هي التقارير تخبرنا عن الاستغلال الجنسي للطالبات في المدارس، فأعداد الطالبات اللواتي مارسن الجنس بعلاقة غير شرعية وصلت لأرقام مخيفة، وأحياناً يحصل حمل بسبب هذه الشهوة العابرة، وقد تم إنشاء مأوى خاص للأمهات الصغيرات اللواتي يلدن أثناء مراحل الدراسة، فصديقها يقضي معها شهوته ثم إذا حملت تركها تعاني وحدها آلام الحمل والولادة وأعباء العناية بالمولود، وغالباً ما تُلقي هذه الفتاة بمولودها في صناديق المواليد المنتشرة في الشوارع، أو ربما تخلصت منه في المشفى بعد الولادة مباشرةً، فيتربى هذا الطفل بدون أبويه، وكل هذا فقط بسبب شهوة عابرة!!
فوفقاً لبيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) ومن خلال مسح السلوك الصحي للشباب (Youth Risk Behavior Surveillance) فإنه حوالي 38% من طلاب المدراس في الفئة العمرية 14 – 18 عاماً أفادوا أنهم مارسوا الجنس. ووفقاً للمكتب الوطني للإحصاءات (NCHS) فإن معدل الحمل بين الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و19 كان حوالي 17 ولادة لكل 1000 فتاة في عام 2019.

فإذا نجت الفتاة من هذه الأمور ووصلت إلى الجامعة، فهنا يجب عليها أن تستعد لمواجهة المجتمع المستعر جنسياً. فبحسب بحثٍ منشورٍ سُئِل عددٌ من الأمريكان عن أكثر صِفة يقدِّرونها في الرِّجالِ والنِّساءِ، فجاءت الأمانةُ والأخلاقُ على رأس القائمة بالنِّسبة للرجال، بينما في حالةِ النِّساءِ كانت الصِّفة الأهمّ التي يُقدِّرُها الشَّعبُ الأمريكي هي الجاذبية الجنسية، إذن تقديرُ المرأة مَرهونٌ بجاذبيَّتها الجسميَّة وهذا يقود إلى ظاهرة يسمونها التسليع الجنسي (Sexual objectification)، أي التعامل مع المرأة على أنَّها شيء للاستعمال، سِلعة جنسيَّة لا إنسانةٌ تُقيَّمُ بإيمانها. وبحسب التقرير أن عامة النساء ينظرن لأنفسهن على أنهن سِلع جنسية، والإعلام كذلك يرسخ هذه النظرة تجاه المرأة، ما يضطر المرأة لإمضاء الكثير من الوقت في التزين وإنفاق الكثير من المال على مساحيق وعمليات التجميل لكي تحصل على التقدير من المجتمع. ولأن نظرة المجتمع لها في الغالب نظرة جنسية فإن هذا ينعكس على سلوك المجتمع ضد المرأة، ففي عام 2014 أصدرت وكالة الاتحاد الأوروبِّيِّ للحقوق الأساسيَّة تقريرًا بعنوان: الانتهاكات الجنسية ضد المرأة: الاعتداء على المرأة كل يوم وفي كل مكان!
وفي فرنسا يذكر تقرير صادر عن (France 24) في عام 2015 بأن 100% من النساء اللواتي يستخدمن وسائل النقل العام يتعرضن للتحرش. وأصدرت الأمم المتحدة تقرير بأن الغالبية العظمة من النساء يتعرضن للتحرش في وسائل النقل. وفي أمريكا تذكر دراسة بأن نصف طالبات الطب يتعرضن للتحرش.
كل هذا بالإضافة أنها ربما تضطر للعمل أثناء الدراسة والبحث عن مسكن جديد لأن أبويها ليسوا مسؤولين عنها الآن، وهنا تبدأ سلسلة جديدة من الاستغلال والتحديات، فقد وصل الأمر ببعض الفتيات لبيع أنفسهن لفترة زمنية محددة لرجل يكبرهن سناً لكي ترافقه في زياراته وتسعى لإمتاعه جنسياً مقابل مبلغ من المال، وهناك إحصاءات رسمية عن دخل الفتيات من هذا التأجير لأعراضهن وكرامتهن

فإذا أنهت الفتاة دراستها، ستنتقل لبيئة العمل، التي هي أيضاً مليئة بالتحديات، فالعمل بالنسبة لها هو مصدر أمانها وثقتها بنفسها، فبالتالي إن طلب منها شيء لا يناسبها في العمل ربما ستضطر للاستجابة لأنها لا تستطيع التخلي عن العمل، ففي دراسة صدرت عن BBC عام 2002 تذكر بأن واحدة من كل أربع نساء يمارسن الجنس في العمل. والوضع الآن يزداد سوءاً. ففي آخر الإحصائيات قدم مركز Safeline البريطاني تقرير بأن أكثر من نصف النساء في بيئات العمل يتعرضن للتحرش، ونسبة منهن يتعرضن للتحرش من المدير أو من له سلطة وظيفية عليها. وفي دراسة ضخمة في أمريكا كانت نسبة النساء التي يتعرضن للتحرش في مكان العمل 58%. ونسب عالية من تحرش الأطباء بالطبيبات. وكذلك في أجواء التمريض المعروف عنها أنها مهنة إنسانية يتعرضن 70% من الممرضات للتحرش من المرضى وزملاء العمل.
بل بلغت المسألة أن يطلب صاحب العمل من الموظفات صراحةً أن يبتذلن باللباس لكي يروجن لبضاعته، حتى احتج مجموعة من نادلات المطاعم يطالبن بتدخل السلكات الأمريكية لتحريرهن من سلطة أصحاب المطاعم، وكان الشعار المركزي في المظاهرة: أنا لست ضمن قائمة الطعام
هذا كله ونحن لم نتكلم عن النساء اللواتي طبيعة عملهن في مجال الدعارة، فبحسب صحيفة Economist البريطانية فإن يقدر أن في ألمانيا يعملن قرابة 400.000 بغي يخدمن 1000.000 رجل يومياً.

والذي يظن أن المرأة تستمتع بما تتعرض له من تحرش أو امتهان لكرامتها، يجيبه التقرير الصادر عن مكتب ضحايا الجرائم الأمريكي، بأن النسبة العظمة من النساء يعانين بعد تعرضهن للتحرش أو الاغتصاب من الشعور بالإهانة وهجمات الرعب والاكتئاب والشعور بالخزي واحتقار الذات والرغبة بالانتقام، بل وأمراض عضوية كذلك، وقد تترك دراستها أو عملها بسبب ما تتعرض له من انتهاكات.

هذا كله خارج المنزل، فماذا عن أجواء المنزل، كيف هي العلاقة بين الرجل والمرأة في المنزل، وهل صحيح ما نراه في الأفلام بأن المرأة الغربية المتحررة تحظى بعلاقات رومنسية وحميمة سعيدة مع ال Boyfriend ؟
أصبح هناك ظاهرة معروفة اسمها BATTERED WOMAN SYNDROME حسب المواقع الرسمية الأمريكية مثل موقع التحالف القومي ضد العنف المنزلي فإن واحدة من كل أربع نساء يتعرضن للعنف الشديد من قبل الشريك الحميم، وهذه النسبة لا تشمل ما تتعرض له المرأة على يد الغرباء، ولا تشمل العنف والضرب غير الشديد، إلى درجة أن ربع إلى ثلث نسبة ذهاب لقسم الطوارئ ناتج عن العنف المزلي، وهذا العنف ربما يصل إلى حد القتل، ففي عام 2019 خرجت مظاهرات في فرنسا للتنديد بالعنف الأسري بعد مقتل 116 امرأة على الأقل في عام 2019، ونشرت وكالة الأنباء الفرنسية أن امرأة فرنسية تموت كل ثلاث أيام على يد زوجها أو رفيقها أو شريك حياتها، وكذلك نشرت وكالة الأنباء الفرنسية عن مسيرات تعترض على إهانة المرأة بعنوان: العنف ضد النساء: اغتصاب امرأة كل 7 دقائق في فرنسا
ونتيجةً لما تتعرض له المرأة في الحياة العامة أو سوق العمل أو في المنزل، فإذا حصل حمل “غير مرغوب به” بسبب علاقة عابرة فإن النتيجة الطبيعية هي قتل هذا الجنين، أي الإجهاض، فالدراسات اليوم تخبرنا بأن عمليات الإجهاض اليوم وصلت لأرقام مخيفة، ففي أمريكا وحدها وصلت حالات الإجهاض إلى 1000.000 حالة سنوياً، وثلثي هذه الحالات بعد الأسبوع السادس، يعني بعد نفخ الروح، وهذا يعني قتل نفس.

بعد كل ما سبق لنقارن ما تتعرض له المرأة الغربية الحرة من تعنيف واغتصاب وضرب وقتل بقول الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ سورة النساء 34، وكذلك قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ سورة التوبة 71، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» صحَّحهُ الألبانيُّ, وكذلك قول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» صحَّحه الألباني

لنقارن نظرة الإنسان الحر للمرأة على أنها سلعة جنسية وكيف يقيمها بجاذبيتها الجنسية، بنظرة الإسلام للمرأة وكيف جعل الله عز وجل امرأة مؤمنة قدوة للرجال والنساء في قوله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ سورة التحريم 11. وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ سورة الأحزاب 59، وقولَ النبي محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ» مُتَّفقٌ عليهِ، “ذاتِ الدِّينِ” لأنَّها ليسَتْ سلعة جنسيَّة، ولا تُقيَّم بجاذبيَّتها الجسميَّة، بَلْ أهمُّ ما فيها دينُها وأخلاقُها، لا لنَتاجِها المادِّي، ولا لجاذبِيَّتها الشَّكليَّة.

ونحن نرَى الَّذين يتَّخذون المرأةَ سلْعَة جنسيَّة، فالنقرأ غضبَ الله عزَّ وجل لعِرض المؤمنات، في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة النور 23

ونحن نرى الإجهاض ورمي البنات في الصَّناديق الدَّافئة أو تشرُّدَهُن في الشَّوارع، فالنقرأْ قول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ كُنَّ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ يُؤْوِيهِنَّ وَيَرْحَمُهُنَّ وَيَكْفُلُهُنَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ البَتَّةَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ؟ قَالَ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ» حسَّنَهُ الألباني

وبعد هذا كلِّه فالنقرأ قول الله عز وجل في سورة النساء: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾

الخلاصة: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا.

Scroll to Top