معضلة وجود الشر

لكي نحسن النظر في قضية وجود الشر، ونجمع بينها وبين وجود الخالق الحكيم فالنتأمل هذه الحقائق الإسلامية

الحقيقة الأولى
الدنيا ليست دار جزاء ولا أخذ حقوق؛ إنما هي دار ابتلاء واختبار

  {وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} العنكبوت 64

لا يمكن أن يفهم أحد الحكمة من وجود الشر قبل أن يوقن أن هذه الدنيا دار مؤقتة، وأنها دار امتحان وابتلاء ونقص، وأن الذي ينتظر رؤية الكمال المطلق فيها فإنه معارضٌ للحكمة الإلهيّة التي اقتضت أن تكون الدار الآخرة هي دار الكمال، وأن تكون هي الحياة الدائمة الباقية؛ فالإسلام يؤكد أن هذه الدنيا ليست في نظر الله شيئاً.

يقول الله تعالى عن يوم القيامة: (الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) غافر 17

فيقضي الله يوم القيامة بين عباده بالحق، يأخذ للمظلوم حقه، ويعاقب الظالم على ظلمه. والذي عاش فقيراً بئيساً وأحسن في حق ربه فإنه يغمس في الجنة غمسة ينسى بها كل بؤس وكل شقاء مرّ به.

الحقيقة الثانية
الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان إرادة حرة يختار فيها بين الخير والشر، وذلك لأجل التكليف؛ فالمجبر لا يمكن تكليفه، والمخير هو الذي يمكن تكليفه.
وحين يختار الإنسان الشر (كالقتل والظلم والسرقة والاغتصاب والاضطهاد ومنع الحقوق) فإنه ينسب إليه لا إلى الله، وأكثر الشرور الموجودة في الدنيا إنما هي بسبب الإنسان ومن صنعه؛ فالمخلفات الصناعية التي تسبب الأمراض، والحروب التي تقتل ملايين الأشخاص كلها من صنع الإنسان.

وكما قلنا فإن الله سيستوفي للمظلومين حقوقهم من الظالمين، ولكن في الدار الآخرة التي أراد سبحانه أن يجعلها دار وفاء واستيفاء.
وقد يعترض البعض على هذه الحقيقة بأن الله قدَّر كل شيء وعلمه. ويجاب عنه بأن من تقديره أن جعل للإنسان اختياراً حقيقياً؛ فكيف لا ينسب لصاحب الاختيار نتائج اختياراته؟

وقد يُعترض كذلك بسبب حصول بعض الكوارث الطبيعية التي ليست من فعل الإنسان مباشرةً كالبراكين وغيرها، ويجاب على ذلك بأن ما يجري من كوارث في الكون على أنواع، فبعضه عقوبة على فساد الناس، وبعضه جريان لقوانين وسنن تتطلبها حركة الكون وتوازن البيئة ونحو ذلك، وبعضها تذكير للإنسان بعظمة الخالق في مقابل محدودية قدرته البشرية وضعفه أمام أقدار الله، وغير ذلك من الحكم التي لا يعلمها إلى الله.

الحقيقة الثالثة
أن كثيراً من الشرور التي نراها ليست شروراً محض من كل وجه؛ بل يكون فيها جوانب خير، وكم في ثنايا ما نراه شراً من خيرٍ كثير، فقد يصاب الإنسان بمرض يكون سبباً صارفاً له عن شرٍ أعظم منه، وقد يخسر الإنسان صفقة ماليّة ربما لو كسبها لطغى وتجبر، وقد يموت للإنسان ولد ربما لو عاش لكان وبالاً عليه وقد يكون الإنسان مستحقاً للنار بعمله، فيصيبه الله بمصيبة فيصبر عليها فيجزيه على صبره بالجنة، وهي الخير الحقيقي الدائم، فالله سبحانه وتعالى لا يخلق شراً محضاً، ولا يُنسب إليه الشر.

الحقيقة الرابعة
أن الله جل جلاله يرى مالا نرى، ويعلم ما نجهل، ويخلق ما لا نعلم، وهو الحكيم الذي ظهرت آثار حكمته على كل شيء من خلقه، والرحيم الذي أطعمنا ونحن في بطون أمهاتنا وسخر لنا كل شيء حولنا؛ فنحن نسلّم بهذا الأصل، فلو رأينا شيئاً لا نعلم حكمته فإن العقل يقتضي حسن الظن بحكمة الله لأننا نؤمن بأن أفعاله كلها خير، حتى لو كان ظاهرها بالنسبة لنا شر.
مثال على ذلك: حين نرى شركة منتجة لصناعات متقنة غاية الإتقان، ونعلم أن منتجاتها مميزة وإتقانها مُحكم، ثم نرى شيئاً في بعض منتجاتها غير مفهوم الفائدة، فإننا نستصحب أصل جودة منتجاتهم وإتقان عملهم فنبحث عن فائدة خفية أو حكمة متوارية.

الحقيقة الخامسة
أن الله عزَّ وجل جعل من السنن في هذه الدنيا: المدافعة بين الحق والباطل، ولذلك خلق إبليس رأس الشر، ولم يجعل له من سلطان على الناس إلا الإغواء وتزيين المعصية والكفر، ولم يتركنا الله سبحانه دون بيان ما يعترض طريقنا من خطر الشيطان وحزبه وإغوائهم، فقال سبحانه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) فاطر 6

وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) النور 21
فمن اتبعه كان من حزبه حزب الباطل، (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة

Scroll to Top