هل انتشر الإسلام بالسيف؟ وما الحِكمة من الجهاد؟
من الاعتراضات على الإسلام والمسلمين أن الإسلام انتشر بالسيف وأنه لم يدخل فيه معتنقوه بإرادتهم الحرة، وإنما دخلوا فيه بالقهر والإكراه، وقد اتخذ المعترضون من تشريع الجهاد في الإسلام وسيلة لهذا الاتهام، وشتان ما بين تشريع الجهاد وما بين إكراه الناس على الإسلام فإن تشريع الجهاد لم يكن لهذا، وإنما كان لِحِكَم سامية، وأغراض شريفة.
سنناقش هذه المسألة من خلال عدة محاور:
1 – تاريخ الدعوة الإسلامية قبل فرض الجهاد
2 – جانب من حِكَم تشريع الجهاد في الإسلام
3 – نصوص القرآن والسنة التي تتكلم عن الجهاد
4 – تعامل الرسول ﷺ مع بعض المشركين
5 – واقع المسلمين المعاصر وثباتهم رغم الاضطهاد والحروب والظلم
أولاً: تاريخ الدعوة الإسلامية قبل فرض الجهاد
لقد مَكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عاما، وهو يدعو إلى الله بالحجة والموعظة الحسنة، وقد دخل في الإسلام في هذه الفترة من الدعوة خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن عند رسول الله ﷺ من الثراء ما يغري هؤلاء، وقد تحمَّل المسلمون – ولاسيما الفقراء والضعفاء – من صنوف العذاب والبلاء ألواناً، فما صرفهم ذلك عن دينهم، وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة في الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قِلّتهم وفقرهم، وما ثبتَ أن أحداً منهم ارتدّ سخطاً عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء، وكالحديد لا يزيده الصهر إلا قوةً وصلابةً.
ثم كان أن هاجر بعضهم إلى بلاد الحبشة هجرتين، ثم هاجروا جميعاً الهجرة الكبرى إلى المدينة، تاركين الأهل والولد والمال والوطن، متحملين آلام الاغتراب، ومرارة الفاقة والحرمان، واستمر الرسول بالمدينة عاماً وبعض العام يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد دخل في الإسلام من أهل المدينة قبل الهجرة وبعدها عدد كثير عن رضاً واقتناع ويقين واعتقاد، وما يكون لإنسان يحترم عقله ويذعن للمقررات التاريخية الثابتة أن يزعم أنه كان للنبي ﷺ والمسلمين في هذه الأربعة عشر عاماً حول أو قوة تُرغم أحداً على الدخول في الإسلام.
ثانياً: جانب من حِكَم تشريع الجهاد في الإسلام
إن تشريع الجهاد في الإسلام لم يكن لإرغام أحد على الدخول في الإسلام، وإنما كان للدفاع عن العقيدة وتأمين سبلها ووسائلها، وتأمين المعتنقين للإسلام، وردِّ الظلم والعدوان، وإقامة معالم الحق، ونشر عبادة الله في الأرض، فلما تمالأ المشركون على المسلمين أمرهم الله بقتالهم عامة
يقول الله تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولَّوهم ، ومن يتولَّهم فأولئك هم الظالمون) سورة الممتحنة: 8،9
فالإسلام لم يقف عند حدِّ أن من سالمنا سالمناه، بل لم يمنع من البر بهم والعدل معهم، وعدم الجور عليهم، وكذلك كان موقف القرآن كريماً جداً مع الذين قاتلوا المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، أو ساعدوا عليه، فلم يأمر بظلمهم أو البغي عليهم، وإنما نهى عن توليهم بإفشاء الأسرار إليهم أو نصرتهم وإخلاصهم الودِّ لهم، فإن حاربونا حاربناهم، وصدق الله (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) سورة البقرة:190
ثالثاً نصوص القرآن والسنة الصحيحة
قال الله تعالى: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم) (البقرة/256)
وقد ذكر المفسرين في سبب نزول هذه الآية : روي أنه كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصران قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله تعالى : (لا إكراه في الدين …) فخلَّى سبيلهما.
وقال سبحانه: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس/99) .
وقال: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف/29) .
فالآية نص في أن من اختار الإيمان فباختياره، ومن اختار الكفر فباختياره، فلا إكراه، ولكن مع هذا التخيير فالله سبحانه يحب الإيمان ويرضاه ويدعو إليه، ويكره الكفر ويحذر منه، ونصوص القرآن حافلة في هذا المعنى.
والكفر رأس الظلم، فلا يتوهمن أحد أن حمل الآية على التخيير وعدم الإكراه يشعر بإباحة الكفر أو الرضا به، حاشا لله أن يكون هذا، ولعل خوف هذا التوهم هو الذي حدا كثيراً من المفسرين على حمل الآية على التهديد والوعيد، حتى مثَّل علماء البلاغة للأمر الذي يراد به التهديد بهذه الآية، فالآية بنصها تخيير، ولكنه تخيير يستلزم تهديداً ووعيداً لا محالة في حال اختيار الكفر على الإيمان، وهي نصوص صريحة في عدم الإكراه على الإسلام.
وأما السنة فقد جاءت مؤيدة لما جاء به القرآن، وهذا جانب منها: روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال : (اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغُلُّوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، أو خلال، فأيتهنَّ ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم . . . فإن هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أبَوا فاستعن بالله وقاتلهم). وهكذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالقتال إلا بعد أن تستنفد الوسائل السلمية، وليس بعد استنفادها إلا أنهم قوم مفسدون أو يريدون الحرب، و في هذا السياق فإن الجزية ليست للإرغام على الإسلام، وإنما هي نظير حمايتهم وتأمينهم وتقديم شتى الخدمات لهم، وليس أدل على هذا مما رواه البلاذري في فتوح البلدان أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لواقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الجزية وقالوا: (قد شُغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم) فقال أهل حمص: (لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل ـ مع أنه على دينهم ـ عن المدينة مع عاملكم)، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود.
وقد يقول قائل فما تقول في الحديث الشريف: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ؟
قلنا : المراد بالحديث فئة خاصة، وهم مشركوا العرب، أما غيرهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم على التخيير بين الأمور الثلاثة التي نص عليها حديث مسلم.
رابعاً: قصص من سيرة الرسول ﷺ تبين التسامح مع أناس أسروا وهم على شركهم، فلم يُجبرهم على الإسلام، بل تركهم واختيارهم.
فقد ذكر الثقات من كُتَّاب السير والحديث أن المسلمين أسروا في سرية من السرايا سيد بني حنيفة ـ ثمامة بن أُثال الحنفي – وهم لا يعرفونه، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه وأكرمه، وأبقاه عنده ثلاثة أيام، وكان في كل يوم يعرض عليه الإسلام عرضاً كريماً فيأبى ويقول: إن تسأل مالاً تُعطه، وإن تقتل تقتل ذا دمٍ، وإن تنعم تنعم على شاكر، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن أطلق سراحه.
ولقد استرقت قلب ثمامة هذه السماحة الفائقة، وهذه المعاملة الكريمة، فذهب واغتسل، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً مختاراً، وقال له :[ يا محمد، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلى. والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلىَّ من دينك، فقد أصبح دينك أحب الدين إليَّ. والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي َّ].
وقد سر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه سروراً عظيماً، فقد أسلم بإسلامه كثير من قومه، ولم يقف أثر هذا التسامح في المعاملة عند إسلام ثمامة وقومه بل كانت له آثار بعيدة المدى في تاريخ الدعوة الإسلامية، فقد ذهب مكة معتمراً، فهمَّ أهلها أن يؤذوه ولكنهم ذكروا حاجتهم إلى حبوب اليمامة، فآلى على نفسه أن لا يرسل لقريش شيئاً من الحبوب حتى يؤمنوا، فجهدوا جهداً شديداً فلم يرَوا بُدّاً من الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم. ترى ماذا كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم؟ هل يدع ثمامة حتى يلجئهم بسبب منع الحبوب عنهم إلى الإيمان؟ لا، لقد عاملهم بما عرف عنه من التسامح، وأن لا إكراه في الدين، فكتب إلى ثمامة أن يخلِّي بينهم وبين حبوب اليمامة، ففعل.
و إليك قصة أخرى : لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ودخلها ظافراً منتصراً كان صفوان بن أمية ممن أهدرت دماؤهم؛ لشدة عداوتهم للإسلام، والتأليب على المسلمين ، فاختفى وأراد أن يذهب ليلقي بنفسه في البحر ، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمِّنه، فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان قال له: (فداك أبي وأمي . جئتك من عند أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، وهو ابن عمك ، وعزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك) فقال صفوان: إني أخافه على نفسي. قال عمير: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه علامة الأمان و هي العمامة؛ فقبل برده، فرجع إلى رسول الله فقال: إن هذا يزعم أنك أمنتني، فقال النبي: ” صدق “. فقال صفوان: أمهلني بالخيار شهرين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بل أربعة أشهر”، ثم أسلم بعد وحسن إسلامه
فهل بعد هذه الحجج الدامغة يتقوَّل متقوِّل على الإسلام زاعماً أنه قام على السيف والإكراه؟!.
خامساً: واقع تاريخ المسلمين المعاصر، وما تعرضوا له من اضطهاد وحروب ومظالم
من المعلوم أن من أكره على شيء لا يلبث أن يتحلل منه إذا وجد الفرصة سانحة له؟ بل ويصبح حرباً على هذا الذي أكره عليه؟ ولكن التاريخ الصادق يُكذب هذا، فنحن نعلم أن العرب ثبتوا على الإسلام، وحملوا الرسالة، وبلَّغوا الأمانة كأحسن ما يكون البلاغ إلى الناس كافة، ولم يزالوا يكافحون ويجاهدون في سبيل تأمين الدعوة وإزالة العوائق من طريقها حتى بلغت ما بلغ الليل والنهار في أقل من قرن من الزمان، ومن يطَّلع على ما صنعه العرب في حروبهم وفتوحاتهم لا يسعه إلا أن يجزم بأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم رخيصة لله، لا يمكن أن يكون قد تطرق الإكراه إلى قلوبهم، وفي صحائف البطولة التي خطوها أقوى برهان على إخلاصهم وصدق إيمانهم.
وفي العصر الحالي يمر المسلمون بأسوأ مرحلة من تاريخهم، فقد انقسمت دولتهم الكبرى إلى دويلات، وصاروا شيعاً وأحزاباً وتعرضوا لمحن كثيرة في تاريخهم الطويل كمحنة التتار، والصليبيين في القديم، ودول الاستعمار في الحديث، وكل محنة من هذه المحن كانت كافية للمُكرَهين على الإسلام أن يتحللوا منه ويرتدوا عنه، فأين هم الذين ارتدوا عنه؟.
إن الإحصائيات الرسمية لتدل على أن عدد المسلمين في ازدياد على الرغم من كل ما نالهم من اضطهاد وما تعرضوا له من عوامل الإغراء، وقد خرجوا من هذه المحن بفضل إسلامهم وهم أصلب عودا وأقوى عزيمة على استرداد مجدهم التليد وعزتهم الموروثة.
بل ما رأي هؤلاء في الدول التي لم يدخلها مسلم مجاهد بسيفه؟ وإنما انتشر فيها الإسلام بوساطة العلماء والتجار والبحّارة كأندونيسيا، والصين، وبعض أقطار إفريقيا، وأوروبا وأمريكا، فهل أجبر المسلمون هؤلاء على الإسلام؟ ألا فليسألوا أحرار الفكر الذين أسلموا من أوروبا وغيرها، وسيجدون عندهم النبأ اليقين.
