هل القرآن حقاً من عند الله خالق هذا الكون؟
براهين إثبات أن القرآن من عند الله
إن إثبات أن القرآن من عند الله هو بحد ذاته دليل على أن محمد مرسلٌ من الله، والعكس صحيح إذا أثبتنا أن محمد رسول من عند الله فهذا دليل على أن القرآن منزلٌ من الله على رسوله محمد. لذلك سنذكر في هذا القسم أدلة وبراهين تؤكد بدون أي شك بأن القرآن هو كلام الله، وأنه أنزله على رسوله محمد ليوصل رسالة الله إلى البشرية، لذلك سنقسم الأدلة إلى قسمين رئيسيين، سنذكر هنا: براهين إثبات أن القرآن من عند الله، وفي موضع آخر سنذكر أدلة وبراهين صدق محمد وأنه رسول من عند الله.
إثبات أن القرآن من عند الله
القرآن الكريم مليء بالشواهد التي تؤكد أنه من عند الله، سنذكر منها هنا ثلاث مواضيع:
أولاً: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
ثانياً: الأخبار الغيبية التي وردت في القرآن
ثالثاً: تحدي القرآن الكريم للعرب والبشرية جمعاء
وأخيراً سنبين كيف حفظ الله القرآن الكريم من التحريف على مر العصور
أولاً: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم
ذُكر في القرآن عدة مواضيع علمية لم تكن معروفة في وقت نزول القرآن، بل إن المعرفة السائدة في ذلك الوقت كانت مخالفة لما ذكر في القرآن. رغم ذلك ذُكرت هذه الأمور في القرآن بآيات صريحة ودلالات قطعية، فلو كان القرآن صناعة بشرية من عند النبي محمد صل الله عليه وسلم لما خاطر بذكر أمور مخالفة لعلم زمانه بل لما تطرق لأمور علمية ليس مطالبا بذكرها، لكنه قرآن منزل من عند الله تعالى وما على الرسول محمد صل الله عليه وسلم إلا البلاغ. وهذه الحقائق العلمية لم يتم اكتشافها إلا في المئة سنة الأخيرة. وللتوضيح أكثر سنذكر هنا حقيقتين علميتين ذكرت في القرآن قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام
1: مراحل خلق الجنين:
يقول الله في كتابه العزيز: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً…) (المؤمنون 12-14)
كلمة “علقة” لها ثلاث معاني: 1- علقة دموية؛ 2- شيء معلق؛ 3-وقطعة من الدم
عند مقارنة علقة دموية بالجنين في مرحلة العلقة، نجد تشابهاً بين الاثنين كما يمكن رؤيته في الصورة 1. وأيضاً يحصل الجنين في هذه المرحلة على الغذاء من دم الأم، على نحو مشابه للعلقة التي تحتاج إلى دم كائن آخر
الشكل الأول: رسومات توضح التشابه الخارجي بين العلقة والجنين البشري في مرحلة العلقة (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 73)

المعنى الثاني لكلمة “علقة” هو “شيء معلق”. يمكننا رؤية ذلك في الشكلين الثاني والثالث حيث يتم توضيح كيفية تعلق الجنين في الرحم خلال مرحلة العلقة
الشكل الثاني: في هذا الرسم البياني، نرى تعلق الجنين في مرحلة العلقة داخل رحم الأم (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 66)

الشكل الثالث: يمكننا رؤية تعلق الجنين (المشار إليه بالحرف B) في رحم الأم خلال مرحلة العلقة (حوالي 15 يوماً من العمر). الحجم الفعلي حوالي 0.6 ملم (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 66)

المعنى الثالث لكلمة “علقة” هو “قطعة من الدم”. نرى أن المظهر الخارجي للجنين وغلافه في مرحلة العلقة يشبه قطعة من الدم. يحدث ذلك بسبب وجود كميات كبيرة نسبياً من الدم في الجنين خلال هذه المرحلة (انظر الشكل 4). بالإضافة إلى ذلك، لا يتدفق الدم في الجنين في هذه المرحلة حتى نهاية الأسبوع الثالث. لذلك يبدو الجنين في هذه المرحلة مثل قطعة من الدم
الشكل الرابع: رسم بياني للنظام القلبي الوعائي البسيط للجنين في مرحلة العلقة. المظهر الخارجي للجنين وغلافه يشبهان قطعة من الدم بسبب الكمية الكبيرة نسبياً من الدم في الجنين (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 65)

كما نرى، تتوافق المعاني الثلاث لكلمة “علقة” تماماً مع أوصاف الجنين في مرحلة العلقة. المرحلة التالية المذكورة في الآية هي مرحلة “المضغة”. الكلمة العربية “مضغة” تعني “شيء ممضوغ”. إذا أخذ شخص قطعة من العلكة ومضغها في فمه، ثم قارنها مع الجنين في مرحلة “المضغة”، فسوف نجد أن الجنين في هذه المرحلة يشبه في مظهره الشيء الممضوغ. يحدث ذلك لأن الفقرات الموجودة في ظهر الجنين “تشبه إلى حد ما آثار الأسنان على شيء ممضوغ” (انظر الشكلين الخامس والسادس)
الشكل الخامس: صورة لجنين يبلغ من العمر 28 يوماً في مرحلة “المضغة”. في هذه المرحلة، يشبه الجنين في مظهره مادة ممضوغة، حيث تشبه الانطباعات الموجودة على ظهر الجنين آثار الأسنان على مادة ممضوغة. الحجم الفعلي للجنين هو 4 ملم (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 82)

الشكل السادس: عند مقارنة مظهر الجنين في مرحلة “المضغة” بقطعة من العلكة الممضوغة، نجد تشابهاً بين الاثنين (الصورة مأخوذة من كتاب الإنسان المتطور الطبعة الخامسة الصفحة 79)

كيف كان محمد قادراً على معرفة كل هذا قبل 1400 عام، بينما اكتشف العلماء هذه الحقائق فقط مؤخراً باستخدام معدات حديثة وميكروسكوبات متطورة لم تكن موجودة في ذلك الوقت؟ كان “هام وليوينهوك” من أوائل العلماء الذين نظروا في الحيوانات المنوية البشرية (السماح الزرعي) في عام 1677 باستخدام ميكروسكوب مطور (بعد أكثر من 1000 عام من زمن محمد). لكنهم كانوا يعتقدون أن الحيوانات المنوية تحتوي على إنسان مصغر كامل ينمو عند دخوله إلى الجهاز التناسلي الأنثوي
البروفيسور “كيث ل. مور”، أحد أشهر العلماء في العالم في مجال التشريح وعلم الأجنة، هو مؤلف كتاب “الإنسان المتطور”، الذي تُرجم إلى ثماني لغات. يُعتبر هذا الكتاب مرجعاً علمياً وقد تم اختياره في الولايات المتحدة من قبل لجنة خاصة كأفضل كتاب كتب بواسطة شخص واحد. البروفيسور “كيث مور” هو أستاذ التشريح وعلم الخلايا في جامعة تورونتو في كندا. وقد شغل منصب عميد دراسات الأساس في كلية الطب وكان رئيس قسم التشريح لمدة ثماني سنوات. في عام 1984، حصل على جائزة جي.سي.بي. غرانت، أرقى جائزة في مجال التشريح في كندا من الجمعية الكندية للتشريح. وقد ترأس العديد من الجمعيات الدولية، بما في ذلك الجمعية الكندية والأمريكية للتشريح وجمعية علوم الحياة.
أثناء المؤتمر الطبي السابع في الدمام في المملكة العربية السعودية، عام 1981، قال البروفيسور مور: “كان من دواعي سروري الكبير المساعدة في توضيح الاكتشافات الواردة في القرآن حول التطور البشري. لقد أدركت أن محمد يجب أن يكون قد تلقى هذه المعرفة من الله، لأن معظم هذه المعرفة لم تُكتشف إلا بعد قرون. وهذا يظهر، في رأيي، أن محمد يجب أن يكون نبي الله”
عندما سُئل البروفيسور مور: “هل يعني هذا أنك تعتقد أن القرآن هو كلام الله؟” أجاب: “ليس لدي أي صعوبة في قبول ذلك”
خلال مؤتمر، أشار البروفيسور مور إلى: “نظرًا لأن مراحل تطور الجنين البشري معقدة، وترتبط بعملية التغيير المستمرة خلال التطور، يُقترح تطوير نظام تصنيف جديد يستخدم المصطلحات المذكورة في القرآن والسنة. النظام المقترح بسيط ومفهوم ويتوافق مع المعرفة الحالية حول تطور الأجنّة. لقد كشفت الدراسات المكثفة التي أجريتها حول القرآن والحديث خلال السنوات الأربع الماضية عن نظام تصنيف مذهل للجنين البشري، خاصة أنه يعود إلى القرن السابع الميلادي. رغم أن أرسطو مؤسس علوم الأجنّة، قد أدرك في دراساته حول بيض الدجاج في القرن الرابع قبل الميلاد أن أجنة الدجاج تتطور في مراحل، إلا أنه لم يكن بإمكانه تقديم تفاصيل عن هذه المراحل. حتى تاريخ علوم الأجنة، لم يكن معروفًا الكثير عن مراحل الجنين البشري وتصنيفها حتى القرن العشرين. لذا، لا يمكن أن تستند أوصاف الجنين البشري في القرآن من القرن السابع على معرفة علمية. الاستنتاج الوحيد المعقول هو: أن هذه الأوصاف أوحيت إلى النبي محمد من الله. لم يكن بإمكانه معرفة هذه التفاصيل، كما أنه كان أميًا بدون أي تعليم علمي“
2. الجبال
يقول الله عز وجل في القرآن الكريم واصفاً الجبال: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَاداً، وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) سورة النبأ 7-8
أثبتت علوم الأرض الحديثة أن الجبال تمتلك جذوراً عميقة تحت سطح الأرض وأن هذه الجذور قد تصل أحياناً إلى نفس ارتفاع الجبل فوق السطح. لذلك فإن أنسب كلمة لوصف هذه الجبال بناءً على هذه المعلومات هي كلمة “وتد”، لأن الجزء الأكبر من الوتد مخفي تحت سطح الأرض. ويخبرنا تاريخ العلوم أن نظرية امتلاك الجبال لجذور عميقة تم تقديمها لأول مرة في عام 1865 من قبل الفلكي السير جورج إيري
كتاب بعنوان “الأرض” يُعتبر المرجع الأساسي في العديد من الجامعات حول العالم. أحد مؤلفيه هو الأستاذ الفخري فرانك بريس. كان مستشارًا علميًا للرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر، وكان رئيسًا للأكاديمية الوطنية للعلوم في واشنطن العاصمة لمدة 12 عامًا. يقول في كتابه إن الجبال تمتلك جذورًا تحت الأرض. هذه الجذور مغروسة بعمق في باطن الأرض، مما يجعل للجبال شكلاً يشبه الوتد (انظر الشكل الأول، والثاني، والثالث)
الشكل الأول: الجبال تمتلك جذورًا عميقة تحت سطح الأرض. (كتاب “الأرض”، بريس وسيلفر، ص. 413)

الشكل الثاني: مقطع تخطيطي. تمتلك الجبال جذورًا عميقة، وهي مغروسة في الأرض مثل الأوتاد. (كتاب “تشريح الأرض”، كايو، ص. 220)

الشكل الثالث: رسم آخر يوضح الشكل الشبيه بالوتد للجبال من خلال جذورها العميقة. (كتاب “علوم الأرض”، تاربك ولوتجنز، ص. 158)

وكذلك يخبرنا القرآن الكريم بأن الجبال تلعب دوراً مهماً في استقرار الأرض، يقول الله عز وجل:
(وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) سورة النحل 15
وبالمثل تؤكد نظرية الصفائح التكتونية الحديثة أن الجبال تعمل على استقرار الأرض. وقد بدأ فهم هذا الدور للجبال كعوامل تثبيت للأرض فقط في أواخر الستينيات في إطار نظرية الصفائح التكتونية
هل كان بإمكان أي شخص في زمن محمد أن يعرف الشكل الحقيقي للجبال؟
وهل كان بإمكان أي شخص أن يتخيل أن الجبل الصلب الهائل الذي يراه أمامه يمتد بعيدًا في عمق الأرض وله جذر كما اكتشف العلماء؟
وهل كان محمد سيُخاطر بذكر هذه الأوصاف عن الجبال لولا أنه على يقين بأن ما يتلقاه من الله عز وجل عبر الوحي هو الحق المطلق الذي لا شك فيه!!
ثانياً: الأخبار الغيبية
ذكر في القرآن الكريم من أخبار الغيب الجازمة التي لا تردد فيها، ما لا يمكن لشخص كاذب مدعٍ أن يجازف في اختراعها، لأنها لو لم تقع فستكون دليلاً كافياً على كذبه، وسيكون ذلك سبباً كافياً لارتداد أصحابه عن الإيمان لأنه كذب عليهم! خاصة وأنه ليس محتاجاً وقد اتبعوه، أو على الأقل يمكن أن يذكر أخباراً مستقبلية بصيغة غير مؤكدة أو بألفاظ تحتمل التأويل، لأن المغامرة هنا تعني خسارة الإسلام في حال لم تتحقق تلك الأخبار في المستقبل، ولكن رغم كل هذه المخاطر ذكر محمد الأخبار الغيبية بصفة جازمة لا تردد فيها وبأسلوب قطعي، ومن تلك الأخبار:
1: هزيمة الفرس
بعد أن هزم الدولة الفارسية الدولة البيزنطية في المعارك التي دارت بينهم في مطلع القرن السابع، أخبرنا الله تعالى في القرآن أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سنين:
قال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ، فِى أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)
لقد كان الإخبار بهذا النصر وبأنه كائن في وقت معين إخباراً بأمرين كل منهما خارج عن متناول الظنون، ذلك أن دولة الروم كانت قد بلغت من الضعف حداً يكفي من دلائله أنها غُزيت في عقر دارها وهزمت في بلادها، فما كان أحد يظن أنها تقوم لها من بعد ذلك قائمة، فضلاً على أن يحدد الوقت الذي سيكون لها فيه النصر؛ على أن القرآن لم يكتف بهذين الوعدين بل عززهما بثالث، حين يقول (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ) إشارة إلى أن اليوم الذي يكون فيه النصر للروم على الفرس، سيقع فيه كذلك نصر للمؤمنين على المشركين في الجزيرة العربية.
فإذا كان كل واحد من النصرين مستبعد عند الناس أشد الاستبعاد فكيف الظن بوقوعهما مقترنين بيوم واحد؟ لذلك أكده الله أعظم التأكيد بقوله: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
ولقد صدق الله وعده، فتمت للروم الغلبة على الفرس بإجماع المؤرخين في أقل من تسع سنين، وكان يو نصر الروم هو اليوم الذي وقع فيه النصر للمسلمين على المشركين في معركة بدر الكبرى
2: حماية الرسول من الناس
أخبر الله نبيه أنه سيعصمه من الناس حتى يبلّغ رسالة الله للبشر:
قال تعالى: (يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)
وفي هذا ضمان لا يستطيع أحد من البشر أن يضمنه حتى لو كان مَلِكاً وله حماية خاصة، فكم رأينا من الملوك والعظماء من تم اغتيالهم وهم في مواكبهم تحيط بهم الجنود والأعوان!
ولثقة الرسول بوعد الله له بالحماية، عندما أخبره الله أنه سيعصمه من الناس أخبر أصحابه الذين كانوا يحرسونه أن ينصرفوا لأن الله سيحميه من الناس. وبالفعل فقد صدق الله وعصمه من الناس فلم يستطع أحد أن يغتاله رغم المحاولات الكثيرة، ولم يمت حتى بلّغ الرسالة كاملة.
ثالثاً: تحدي القرآن للعرب والبشرية جمعاء
والمراد بهذا الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أنه مرسل من عند الله إلى الناس جميعاً جاء بكلام من جنس كلام الناس، وذكر أن الله أنزله إليه، وجعله دليلاً على صدقه، وجعل علامة ذلك أن لا أحد من الجن والإنس يستطيع أن يأتي بمثله في بلاغته، وبيانه، وفصاحته، وإتقانه، ومضمونه، وأعلن التحدي على ذلك.
قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) سورة البقرة 23 – 24
وتحداهم كذلك بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) سورة الإسراء 88
وقد نزلت هذه الآية في وقتٍ كانت قريش مستعدة للتنازل عن كنوزها كلها لتغلب النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد كانوا هم أسياد البيان والبلاغة، فما بالهم وقفوا مدهوشين مشدوهين أمام هذا التحدي؟
ألم يكن اجتماعهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أسهل عليهم من المعارك التي خاضوها مع النبي صلى الله عليه وسلم.
ألم تكن أنفتهم – وهم أسياد العرب – تأبى عليهم أن يتركوا هذا التحدي الذي أعلنه خصمهم أمام الناس إلا بخوض غماره ومحاولة الانتصار فيه؟ خاصةً وأنه استفزهم بإعلانه أنهم لن يستطيعوا أن يكسبوا هذا التحدي، مع أنه أباح لهم أن يستقووا بمن شاؤوا، وأن يستعينوا بمن أرادوا.
وهذا التحدي القرآني باقٍ ما دامت السماوات والأرض، فمن كان في ريب من القرآن فدونه هذا الميدان، فليُبد صفحته وليُعلن عن نفسه، وليأتِ بسورةٍ من مثله؛ فإن لم يفعل ولن يفعل فليتق النار فإنها حق.

حفظ الله للقرآن وكيف وصلنا
نزل القرآن الكريم من عند الله عز وجل عن طريق جبريل عليه السلام، الذي كان ينقله إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع القرآن من جبريل، ثم يقرأه على الصحابة ويسمعه منهم. وكان يحث أصحابه على تلاوته وحفظه وتدارسه وفهمه.
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كُتب القرآن على الرقاع والأكتاف وجريد النخل، وكان هناك عدد من الصحابة المعروفين بكونهم كتّاب الوحي، مثل: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، أُبي بن كعب، زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. ومع أن القرآن كان يُكتب، إلا أن الاعتماد الأكبر كان على الحفظ، حيث كان قسم من الصحابة يحفظون القرآن في صدورهم
في عهد الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، ظهرت الحاجة لجمع القرآن بين دفتين، فأوكل هذه المهمة إلى زيد بن ثابت الأنصاري، أحد كتبة الوحي.
قام زيد بجمع القرآن من صدور الرجال ومن الصحف التي كُتبت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد وفاة أبي بكر، انتقل المصحف إلى الخليفة عمر بن الخطاب، ثم إلى حفصة بنت عمر بن الخطاب، زوجة النبي.
في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أُعيد نسخ المصحف ووزعت نسخ منه على الأمصار الإسلامية مع قرّاء يعلّمون الناس القراءة الصحيحة. لأن القرآن لا يمكن تعلمه فقط من القراءة، بل يجب تعلمه من أصحاب السند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
القرآن الكريم نُقل بالتواتر، وهي وسيلة يعتمد فيها النقل من جيل إلى جيل بشكل كبير ودقيق. حتى يومنا هذا، هناك مئات الآلاف من المسلمين الذين يحفظون القرآن بسند متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مما يحقق وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه للقرآن حين قال: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” (سورة الحجر: 9)
مثال على سند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
