هل يوجد لهذا الكون خالق, أم أنه وجد بدون خالق؟
هل الله موجود؟
إن اثبات وجود الله سبحانه وتعالى أمر فطري عقلي لا يُجهد العقل في الوصول إليه، إذ أنّه قائم على مبدأ يجده الإنسان مركوزاً في عقله بحيث لا يمكنه التخلّي عنه البتّة، وهو مبدأ (الاستدلال بالأثر على المؤثر)
إن البحث فيما وراء الآثار والأفعال والأحداث عن المؤثرين والفاعلين لا يمكن أن يتخلى عنه البشر مطلقاً إذ لا يمكن للبشر أن يتصوروا حدوث الأشياء بعد عدمها دون وجود أسباب لذلك، وإذا كان العقل البشري لا يقبل تصور حدوث لصورة إنسان متقنة على ورقة بيضاء بدون وجود رسام أو آلة رسم، فإن عدم قبوله لوجود الإنسان نفسه دون وجود فاعل قادر عليه هو أولى وأحرى
وكلما كان الحادث الناشئ أكثر إتقاناً وتعقيداً اشتدت الضرورة للبحث عمّا وراء ذلك الأمر المُحدث المتقن من السبب الذي يناسب هذا الإتقان والتعقيد، فإن العقل لا يقنع عند النظر بالأمور الحادثة بمجرد وجود سبب ورائها؛ بل لا بد أن يكون السبب مناسباً للصفة التي نشأ عليها هذا الأمر الحادث، فإذا كانت عقولنا لا تقبل تصور قيام طفل عمره ثمانية أشهر بصناعة جهاز الكمبيوتر والذي يتطلب معرفة وخبرة وعقلاً ناضجاً، فإننا كذلك لا يمكن أن نقبل بأن يكون من أنشأ هذا الكون البالغ في التعقيد والخاضع لأدق القوانين جاهلاً أو عاجزاً، فضلاً عن أن يكون الكون ناشئاً بلا سبب ولا فاعل أصلاً. إذاً لا بد من خالق عالم، قادر، عظيم، حكيم لهذا الكون.
الآن يمكن أن يعترض أحد فيقول: فمن خلق هذا الخالق؟
هذا السؤال غير صحيح في ذاته، فهو كمن يسأل: ما وزن درجة الحرارة؟ ونحو ذلك من الأسئلة المغلوطة، فإنه سؤال عن الخالق بما لا يمكن، وهو أن يكون مخلوقاً، فالخالق خالق لا يكون مخلوقاً حتى يُسأل عنه بمن خلقه.
فمن دلائل بطلان هذا السؤال أنه يستلزم ألّا يكون الكون موجوداً أصلاً، فإن من المعلوم أن سؤال (من خلق الخالق) ليس بأولى من سؤال (من خلق خالق الخالق) وهلمَّ جرَّ، وبهذه الطريقة فلن يكون لهذا الكون وجودٌ لأنه إذا كان وجود الخالق لهذا الكون معلقاً على وجود الخالق الذي قبله، والذي قبله معلقٌ وجوده على الذي قبله، وهكذا إلى ما لا نهاية، للزم أنه لن يوجد الخالق الذي خلق هذا الكون، لأنه لا يوجد خالق أول تقف عنده السلسلة ويصدر منه الخلق الأول، فالسلسلة مستمرة إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن يوجد الكون إلّا إذا كان هناك خالق أول لا بداية له.
فوجود الكون دليل عقلي فطري على وجود خالق ليس قبله شيء حيث لو لم يوجد هذا الخالق لما وجد الكون، و لتوضيح المثال أكثر فلنفرض أنه يوجد قائد عسكري أمر من تحته أن يطلق طلقة و هو قد أخذ هذا الأمر من قائد أعلى منه و القائد الذي أعلى منه أخذ الأمر من قائد آخر أعلى منه و هكذا… السؤال الذي يُطرح هنا: من أمر بإطلاق الطلقة الأولى؟

لو افترضنا أن هناك سلسلة لا نهائية من الطلقات، فهذا يعني أنه لن تكون هناك طلقة أولى أبدًا، ولن نصل إلى بداية السلسلة. وبالتالي، من المستحيل وجود سلسلة لا نهائية من الأحداث بدون أن يكون هناك بداية. إذًا، يجب أن يكون هناك قائد أعلى أول خارج عن السلسلة الزمنية، لا ينتظر أمرا من أحد وهو السبب الذي لم يُسبق بشيء، أي أن الخالق هو أزلي، ولا شيء قبله، وهو الذي أعطى الأمر بداية. والخالق لا يكون خالقا و مخلوقا في آن واحد كما أنه لا يمكن أن يكون الشيء موجودا و غير موجود في آن واحد.
أمّا من يقول بأنه يمكن الاستغناء بالقوانين الكونية عن وجود الخالق فقد وقع في مغالطة كبيرة وتجاوز حقيقة مهمّة، ألا وهي أن القوانين واصفة ومفسّرة لا خالقة ومنشئة؛ فهل يمكن أن نقول: بما أن المعاملات المالية لها قوانين حسابية فإن هذه القوانين يمكنها إنشاء محل تجاري؟ أو يمكن لقوانين الميكانيكا أن تصنع سيارة؟ أم أنّ الأمر يحتاج لصانع يطبق هذه القوانين؟! وهل قانون الجاذبية يخلق أم يفسّر؟
إن وجود قانون يفسّر ظاهرة معيّنة لا يلغي وجود سبب لنشأتها، فمعرفتنا بالقوانين التي تعمل الطائرة وتطير وتهبط على وفقها، لا يلغي وجود صانع لها، وهكذا بالنسبة للكون.
وأمرٌ آخر وهو أن الذي يقول هذا الكلام قد تجاوز لضرورة عقليّة مهمة، ألا وهي: من الذي سنَّ هذه القوانين؟ ومن الذي جعل الكون يعمل على وفقها؟
إذاً فلابد من وجود خالق لنا ولهذا الكون العظيم. ولكن لماذا خلقنا الله وما الغاية من الحياة؟

لماذا خلقنا الله، وما الغاية من الحياة؟
حدد لنا الله الغاية والهدف من وجودنا في هذه الحياة بكل وضوح ودقة في قول الله تعالى: {وما خلقت الجِنَّ والإنس إلّا ليعبدون}. الذاريات: ٥٦
فالعبادة هي غاية وجودنا في هذه الأرض وما سواها وسائل وتوابع ومكملات. ولكن العبادة في المفهوم الإسلامي ليست رهبنة وانقطاعاً عن الحياة وملذاتها ومتعها، بل هي تشمل مع الصلاة والصيام والزكاة كُلَّ أفعال الإنسان وأقواله واختراعاته وعلاقاته، بل وحتى لعبه واستمتاعه، متى ما صاحب ذلك النيّة الصالحة والقصد الحسن، ولهذا قال النبي ﷺ: (في بِضع أحدكم صدقة) مسلم: ١٠٠٦
يعني أن الأجر والثواب ينال المسلم حتّى باستمتاعه بزوجته. وبذلك تصير العبادة مع كونها هدف الحياة: حقيقة الحياة، فالمسلم يتقلب بين أنواع العبادات، كما قال الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين} الأنعام: ١٦٢
